‏ترفض المحاكم الجزائرية إجراء خبرة قضائية لنفي النسب، ولو قدم المتمسك بها ما يثبت عقمه، وإذا تحصل المدعي في دعوى نفي النسب على خبرة البصمة الوراثية AND التي تفيد أن الابن لا يتقاسم الخصائص الجينية معه، وأنه لا يمكن أن ينسب إليه بأي علاقة حتى وأن تم الحصول عليها بناء على أمر أو حكم قضائي فان مصير هذه الخبرة هو الرفض. ‏

وتؤسس المحاكم هذا الرفض على قاعدة الولد للفراش، والتي مفادها أن ينسب الولد لأبيه متى كان الزواج شرعيا، وأمكن الاتصال ولم ينفه بالطرق المشروعة. كما تفسر المحاكم الجزائرية وعلى رأسها المحكمة العليا المقصود بالطرق المشروعة في نفي النسب المنصوص عليها في المادة 41 من قانون الأسرة باللعان واللعان وحده.

واللعان عرف ابن عرفة الفقيه المالكي بأنه :”حلف الزوج على زنا زوجته أو نفي حملها اللازم له، وحلفها على تكذيبه …” وقال الفقيه المالكي إبن فرحون إن حقيقة اللعان يمين الزوج على زوجته بالزنا، أو نفي حملها أو ولدها ويمين الزوجة على تكذيبه. ‏

وشرع اللعان لمن يتهم زوجته بالزنا آو نفي نسب الولد، وليس له بينة على ذلك فقد جعل الله له بديلا عن الشهود الأربعة: أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. كما فصل القرآن ذلك في سورة النور. ‏

وإستقر القضاء الجزائري على أن مدة نفي الحمل لا تتجاوز 08 أيام من تاريخ الوضع، أو من تاريخ العلم بالحمل. ‏وأن التحاليل الكاشفة للعقم وكذا التحاليل الجينية المأمور بها يلجأ إليها القضاء في حالة إثبات النسب فقط لا غير ، ولا يلتفت إليها في نفي النسب. ‏وكان الاجتهاد القضائي في الجزائر لا يفرق بين إثبات النسب ونفيه قبل تعديل قانون الأسرة 84 ـ 11 بموجب الأمر رقم 05 ـ 02 ، فكان يرفض الطرق العلمية للحالتين، لكن بعد تعديل 2005 والذي بمقتضاه تم تتميم المادة 40 من قانون الأسرة بإضافة فقرة جديدة تنص على ما يلي : ” يجوز للقاضي اللجوء الى الطرق العلمية لإثبات النسب.

‏تغير الاجتهاد القضائي بالنسبة لإثبات النسب، وبقي الاجتهاد المتعلق بنفي النسب على حاله، أي لا يأخذ بالوسائل العلمية بدعوى أن الفقرة التي أضيفت إلى المادة 40 ق أ مقررة لإثبات النسب وليس لنفيه. ‏لكن هناك إتجاه آخر رأى في استعمال هذه الطرق العلمية حتمية لاسيما وأنها تحقق نتائج دقيقة وملموسة.

‏لفقد تطور علم الجينات، وعلم التحقق من شخصية الإنسان ووقوع الحمل من عدمه، ولذلك واكبت الكثير من التشريعات عبر العالم هذا التطور ، واعتمدت العديد من قوانين الأسرة في الدول العربية الخبرة الطبية لنفي النسب، ومن بينها دولة الكويت التي تسمح بإعتماد الخبرة لنفي النسب في العديد من الحالات، ودولة الإمارات التي تسمح بها في مجال إثبات النسب ونفيه، كما هو الشأن بالنسبة للملكة المغربية نصا وتطبيقا، وعلى غرار ذلك تتراوح المحاكم التونسية بين القبول والرفض لعدم وجود نص صريح يبيح ذلك لكن من الناحية التطبيقية نجد العديد من الأحكام والقرارات التي تقر الوسائل العلمية والبصمة الوراثية على وجه الخصوص لنفي النسب. ‏وذهبت العديد من التشريعات إلى منح صاحب دعوى نفي النسب حق الاختيار بين سلك اللعان كوسيلة شرعية لنفي النسب، وبين الخبرة الطبية (البصمة الوراثية) كمستجد بيولوجي علمي لهذا النفي. ‏وأقر العديد من الفقهاء أن اللعان له أولوية في التطبيق لنفي النسب، ثم تأتي بعده الوسائل الحديثة في المرتبة الثانية، لكن لا يمكن تجاهلها. ‏

فقد جاء في مصنف صحيح فقه السنة وأدلته وتوضيح مذاهب الأئمة الجزء الثالث من تأليف أبى مالك كمال بن السيد سالم ص 381، 382: ” أن ترك نفي نسب الطفل يستلزم استلحاقه، واستلحاق الرجل شخصا ليس منه يعد حراما، وينبغي على الزوج أن يتريث ولا يستعجل إذا رأى بعض ما يثير الشكوك والظنون حول سلوك زوجته، وأن يفحص ما يسمعه ويراه فحصا موضوعيا بدون انفعال ولا غضب، حتى يتثبت من الأمر، مستحضرا أن الأصل في الزوجة المسلمة البراءة مما يشاع، والشاهد هنا هو تحريم عدم نفي النسب والتريث، عكس ما أشرنا إليه سابقا. ‏

ومن الثابت أن إجراء الخبرة القضائية منصوص عليه في قانون الأسرة كوسيلة من وسائل إثبات نسب الولد من عدمه طبقا لنص المادة 40 ق أ، فكيف نقر الخبرة في دعوى إثبات النسب، ولا نقرها في نفيه، بدعوى أن النص ذكر الاستعانة بالوسائل العلمية في الإثبات ولم يذكرها في النفي، ولنفرض جدلا أن الخبرة المأمور بها في دعوى إثبات النسب أقرت أن الولد ليس من صلب الأب، أفلا نكون حكما أمام حالة نفي النسب، حينما ترفض دعوى المدعي بإثبات النسب. ‏لذلك نرى أنه من الواجب منح هذا الموضوع جانبا من الأهمية دراسة والذهاب الى تعديل نص المواد 40 و41 من قانون الأسرة بما يتماشى ومبادئ الشريعة الإسلامية وروح العصر . ‏

ذ / عمار خبابه ‏ محام وباحث في القانون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *