الاقتصاد الرقمي

يشكل موضوع رقمنة المالية العامة من المواضيع الهامة التي تشغل بال المهتمين بهذا المجال من مختصين وحكومات على حد السواء على ضوء التطورات الهامة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي في السنوات الأخيرة، وذلك لما لموضوع رقمنة المالية العامة من تأثيرات محورية على مستوى السياسات العمومية التي تضعها الحكومات في سياق برامجها التنموية وخططها المتعددة السنوات ضمن رؤية طويلة الأجل، والتي تعد ضمنها سياسات المالية العامة وكيفيات تصميمها أحد أهم المجالات التي تتأثر بما يترتب عن تلك التحولات الرقمية، لاسيما في ذلك ضمن تلك الجوانب المتصلة بتصميم السياسات الضريبية، وكذا سياسات الإنفاق العمومي وآليات تنفيذها.

ويكمن الهدف الأساسي من رقمنة المجالات المتصلة بالمالية العامة في البحث عن آليات زيادة فعالية السياسات العمومية ضمن مجالات جمع الموارد المالية المتعددة المصادر وصرفها في إطار دور الدولة، ويلاحظ هنا أن دور الدولة يستدعي دون شك ضرورة مراعاة الضوابط المتصلة بتحقيق الكفاءة والشفافية والمساءلة وغيرها من الضوابط الأخرى على مستوى كل القطاعات العمومية المعنية.
وفي إطار التجارب الدولية لرقمنة المالية العامة، وعلى ضوء إحدى منشورات صندوق النقد العربي حول موضوع رقمنة المالية العامة الصادرة في شهر أفريل 2019، فإن من المكاسب الهامة للرقمنة في هذا المجال، هو التأثيرات الملاحظة ضمن مجالات جمع الإيرادات العامة المتعددة المصادر، فقد ساعدت نظم التحصيل والدفع الإلكتروني ضمن مجال رقمنة الضرائب على زيادة مستويات التحصيل الضريبي، وكذا توسيع القاعدة الضريبية من خلال التحول للنظم الإلكترونية للإقرار والتصريح الضريبي، وكذا التحصيل الضريبي والفوترة الإلكترونية، وتشير التقديرات في هذا المجال إلى أن التحول إلى عمليات التحصيل والدفع الإلكتروني على صعيد جانبي الموازنة العامة قد ساهم في تحقيق وفورات اقتصادية سنوية تقدر بما يتراوح ما بين 0,8 % و 1,1 % على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى الدول النامية، أي بما يتراوح ما بين 220 – 320 مليار دولار أمريكي.

وقد يتجاوز حجم تلك المكاسب هذا المستوى على مستوى بعض الدول، ففي الهند مثلا: يلاحظ أن التحول ضمن رقمنة مجال الضرائب قد أدى إلى تحقيق زيادة بنسبة 50% في القاعدة الضريبية في أقل من عام واحد، وهو ما ساعد في تحقيق المزيد من الإيرادات العامة، والذي يعزى إلى التحسن الملاحظ في أساليب جمع المعلومات وزيادة القدرة على معالجتها بوسيلة أسهل وبأقل تكلفة من خلال النظم الرقمية.

كما يمكن أن تساهم الرقمنة أيضا في الحد من ظاهرة التهرب الضريبي والتقليل من حجمها من خلال الحلول الرقمية، وقد تعددت تلك الحلول الرقمية المتبعة من طرف الحكومات، فمثلا في أستراليا والمملكة المتحدة ودول أخرى تتلقى السلطات بيانات عن الأجور التي يدفعها أصحاب المؤسسات فور صرفها، وفي البرازيل وروسيا، تتيح نظم الفواتير الإلكترونية الاطلاع على بيانات مبيعات الشركات فور تنفيذها، وتستخدم الصين تكنولوجيات هامة ضمن مراجعة الفواتير للتحقق من عمليات استرداد الرسم على القيمة المضافة، وهذا ما سيسمح بتحصيل الضرائب والرسوم فورا وبكيفيات أسرع بالمقارنة مع النظم التقليدية.

ومن جانب النفقات العامة، فقد أشارت الدراسة السابقة إلى أن عملية رقمنة المالية العامة قد أتاحت الضبط الجيد والدقيق لطبيعة المستفيدين من التحويلات النقدية والاجتماعية، كما ساهمت عملية توجيه تلك التحويلات إلى مستحقيها عبر قنوات رقمية حديثة في الوصول إلى عدد كبير من المستفيدين بأقل تكلفة. كما أثبتت عملية رقمنة المالية على ضوء نفس الدراسة السالفة الذكر أن رقمنة مجالات المشتريات العامة قد ساهم أيضا في تحقيق مكاسب اقتصادية هامة، منها على سبيل المثال: خفض التكاليف المترتبة عن تلك المشتريات بحوالي 20%، ومنها أيضا تلك المكاسب المرتبطة بزيادة درجة التنافس بين العارضين، لا سيما منهم أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، علاوة على دورها الكبير في الحد من مستويات الفساد الحكومي. وهذا ما قد يمكن اعتباره مكسبا هاما يسمح بتحقيق أحد أهم مبادئ إبرام الصفقات العمومية من خلال زيادة مستويات المنافسة من خلال احترام مبدأ حرية الوصول إلى الطلبات العمومية على ضوء أحكام المرسوم التنفيذي رقم 15-247 المتعلق بتنظيم الصفقات العمومية في الجزائر.

وفي الأخير، وعلى ضوء تلك المكاسب الاقتصادية الهامة المترتبة عن رقمنة جانبي المالية العامة على مستوى بعض الدول والحكومات، فإنه ينبغي على الحكومات والدول الأخرى، لا سيما منها الجزائر بشكل خاص ضرورة بذل المزيد من الجهود والخطوات الهامة ضمن مجال رقمنة قطاع المالية العامة على ضوء مكتسبات التجارب الدولية، مع الأخذ بعين الاعتبار لضرورة إتخاذ التدابير اللازمة للحد من بعض المخاطر التي قد تثار حول هذا التحول الرقمي، لا سيما من ذلك التدابير التي تتعلق بمخاطر الأمن الإلكتروني والخصوصية والاحتيال وسرقة البيانات، وغيرها من المخاطر الأخرى المرتبطة بها.

الدكتور عبد الحكيم عمران| كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة محمد بوضياف بالمسيلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *